السبت، 11 أكتوبر 2014

اين هم اولادي ؟

ليست هناك تعليقات:



المصدر الأساسي: مجلة بسيكولوجي الفرنسيّ

 أنا آسف إن كان ما ستقرأوه يؤذي المشاعر لكن لا بدّ لكل أم أو أب أن يفكّروا بالأمر؟

منذ وقت قصير كنت أقرأ كتاب "سجلات الكراهية العاديّة" للمؤلّف ديبروج ووقعت عيناي على هذه الجملة: "لماذا مجرّد التفكير بأن أطفالي يعانون أمر لا يطاق بالنسبة لي، في حين أنني أنام، وأتعشّى وأعاشر زوجتي بسلام بينما تدهس السيارات أولاداً آخرين، وتمزّق القنابل أجساد الأطفال في بعض البلدان، ويموت أولاد من الجوع في حضن أمهاتهم؟ "هذه العبارة جعلتني أضحك، بطبيعة الحال. لكنني على الفور فكّرت إلى أي مدى هي صحيحة. فكيف يمكن أن تحتوي إنسانيتنا شيئاً من الوحشية.

على سبيل المثال، في جوار منزلي، كثيراً ما أرى طفلاً معوّقاً. في كل مرة أقول لنفسي إنه لأمر رهيب للوالدين أن يشاهدا كل يوم معاناة ابنهما. وأشعر أنني أريد أن أفعل شيئاً، أن أصرخ ضد هذا الظلم! ولكن يجب أن أعترف أنني بعد دقيقتين أتجاوز انفعالي، مع أنه كان صادقاً. هذه العاطفة لم تدم سوى مدّة وجود الطفل أمام عينيّ. فهل أنا حقاً وحش بلا شعور؟

ابني يتعرّض لخدش
ذهبت مرّة لأحضر ابني من المدرسة. فوجدته يبكي لأنه حين كان يلعب كرة القدم في الملعب، سقط وخدش ركبته. لقد كان خدشاً بسيطاً. ومع ذلك، أصابني القلق على الفور وبشكل مفرط. ورحت أفكذر ماذا لو التهبت ركبته؟ أخرجت حالاً كل المستلزمات الطبية : المطهر (الذي لا يحرق) ومجموعة من الضمادات.

أخذ خدش طفلي كل المساحة في ذهني. وأصبح أهمّ ما في حياتي. اتصلت بزوجتي وأخبرتها كما لو أن الأمر قضيّة دولة.

أخيراً، انتهى كلّ شيء على ما يرام. فعندما غطيّته لينام في المساء كان قد نسي كل شيء. وعدت أنا بذاكرتي إلى الطفل المعوق. أعتقد أن هناك في الحب جزءاً كبيراً من الظلم. هنالك ما يشبه هرميّة عاطفيّة؟ هل يمكن أن يكون هنالك شخص له قلب كبير بما يكفي ليستوعب كل مآسي العالم؟ كل دموع الأطفال وآلامهم؟ يبدو ذلك من المستحيل. والأسوأ من ذلك هو أن رؤية مآسي الآخرين تترافق مع شعور فظيع، وهو أنك محظوظ بأنك بمنأى عن هذه المآسي. لست أت من تتألّم.

بالمقابل يجعلنا ذلك نفكّر بالشعور الذي لا يُعطى لأي كان هبة وهو السعادة.
اقرأ المزيد Résuméabuiyad

الأربعاء، 24 سبتمبر 2014

لكل شيء نهاية والنهاية هي بداية

ليست هناك تعليقات:


لكل شي نهاية !! جملة نتداولها بشكل دائم لكن لا نكملها أبداُ والواقع لها تكمله أجمل من مقدمتها (هي بدايه لشي جديد ) فلا يوجد نهاية لا يتبعها بدايه أبداُ . نهاية الحياة الموت ولكن الموت بدايه لحياة خالده ، هذا مثال فقط ولكن لماذا لا نأخذ من هذا المثل نقطه لننطلق منها لنتجاوز المعوقات ؟ لو طلب منا عمل بسيط ولم نتقنه اختفى الأمر بكل سهولة وذلك لأن حجمه بسيط وغير مهم ولكن لوطلب منا نفس العمل ثانية فمن المتوقع أن نتقنه لاننا تعلمنا من التجربة السابقة .
لو أمعنا النظر لوجدنا أننا لا نطبق إعادة الكرة من أجل الإتقان الا في الأعمال الصغيرة أما الأعمال التي تحدد مستقبلنا أو حياتنا قد نرفض لاستصعابها بسبب الخوف من النهاية المؤلمة أو الفشل .
الفشل نهاية تجربة وليس نهاية طموح لأن نقطة النهايه هي البداية ولكن بتجربة سابقة , أكاد أجزم أن جميع رجال الدين وجميع المثقفين ورجال الأعمال الذين تتردد أسمائهم بشكل دوري على مسامعنا مروا بمحطات صعبة في حياتهم لو وصل لها أشخاص غيرهم لتوقفوا ، ودعوني اخبركم عن ذلك الشيخ الضرير الذي فقد بصره ولكن كان مرجعاُ لجميع دول العالم الإسلامي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله الذي كان مبصراً اول حياته ولكن شاء القدر ان يضعف بصره في عام 1346 أثر مرض أصيب به في عينه وكان عمره لا يتجاوز السادسة عشر وفي عام 1350 ذهب جميع بصره هل توقف عن طلب العلم ؟ هل قال أنا أعمى لا حول لي ولا قوة ؟ بل كان يقول ( اختفت عني مباهج الحياة وفتنة الدنيا وزينتها ) وكان قبل وفاته مفتي الديار السعودية و أعلم أهل زمانه رحمه الله . انظر يا منُ تعشق النهايه وتفكر كم من مبصر عاش في زمنُ شيخنا ولم يذكره التاريخ ولو حتى بعمل قدمه للإنسانيه . لا تقلل من شأن أفكارك أبدا ولا طموحك فالراعي الرسمي لها هو انت لا سواك وحاول ان تخلق من المشكله هدف لتتجاوزه وتستمتع بأنجازك. العقلاء فقط هم من يطوون ملف الماضي وينطلقون في الحاضر . برادهام واجه مشكلة كبيرة وهي نزوح المرضى عن صيدليته لعدم توفر علاج يسهل الهضم ولكن لم يغلق الصيدلية بل بحث عن حل وبدء بالبحث والتجارب وبعد التجارب من خلط الفواكه مع ماء الصودا توصل الصيدلاني برادهام الى منتج يساعد على علاج سوء الهضم الذي كان يسمى (( Dyspepsia )) وبداء ببيعه على زبائن الصيدليه الى أن أصبح أشهر مشروب في وقتنا الحالي بيبسي كولا كان يبحث عن حل لمشكلة لم يتوقف عندها ولم يعتبرها النهاية بل جعلها بداية الى مالا نهاية . و يحكى أن مندوب مبيعات في أمريكا يعمل في أحد أشهر شركات التأمين في العالم للتأمين على الشحنات البريدية ونسبة مبيعاته البريديه بقيمة 600000 دولار شهرياً طرح عليه سؤال ذات يوم : متى تفقد الأمل في عميل يرفض شراء البوليصه قال : ( هذا يعتمد على من منا يموت اولاُ )؟ لم ولن ُ يتوقف من المحاوله و بهذا السبب أصبح الأشهر عالمياُ . الكثير منا مر بتجارب وفشل فيها وتوقف ، فلما توقفنا؟ لننطلق من جديد ونبدأ. يقول المتنبي : وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِبارا*** تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ . فلنجعل من انفسنا مصدراُ للقوه والاصرار والعزيمه . لنتمعن بعض من اقوال الحكماء .

o إن كل ما نراه عظيماُ في الحياة بدأ بفكرة صغيرة.
o إن الطموحات لا تتحقق دون معاناة.
o التميز بين الأشخاص يكون في النظره السليمه للأشياء.
o خسارة معركه تعلمك كيف تربح الحرب.
o احلم بالوصول الى النجوم ولكن لا تنسى ان رجليك على الأرض.
أخي وصديقي لكل منا ماضي ولكن لا تدع الماضي يمنعك من الأنطلاق ولتجعل من الماضي ذكرى والمستقبل واقع نجاح ، حدد اهدافك وطريق تحقيقها وتوكل على الله وأجعل من قوله تعالى ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)) أعلم ان الله سبحانه معك في كل وقت وفي كل حين أخلص عملك لوجهه سبحانه وسترى مايسرك. ستواجه الكثير من المصاعب ولتكن مستعد لها فأجمل شعور بعد النجاح هو الشعور بالفخر لتجاوز الصعاب وأعلم انك انت من تسير الظروف لتنطلق وليس هي من تسيرك وأجعل اجابتك على الهزيمه أنتصار في كل وقت وحاول الأستفاده من التجارب السابقه لك او لغيرك ليس المهم متى تصل المهم ان تصل . تحتاج أمرين فقط لتحقق ما تريد ، الأول أن تقرر أن تصبح ما تريد والثاني أن تحاول أن تصبح ماتريد ، النجاح فقط يحتاج الى ذكاء وعقل وكل هذا تملكه ختاماُ ها أنت قررت تقرأ ما كتبت وها أنت انتهيت احتجت فقط للأرادة لتبدأ وتنتهي ولكن بعدما انتهيت هل ستبدأ التفكير في أمر جديد أتمنى أن تكون إجابتك بنعم ، فنقطة النهاية هي بداية متى ما أردت .
اقرأ المزيد Résuméabuiyad

السبت، 13 سبتمبر 2014

أجمل ما قيل في فن الحياة

ليست هناك تعليقات:


- المتفائل يرى فرصة في كل مصيبة والمتشائم يرى مصيبة في كل فرصة.
- بعض الناس ينظرون إلى العالم ويقولون: لِمَ؟ وبعض الناس ينظرون إلى العالم ويقولون: لِمَ لا؟
-إنني سعيد لكوني متفائلاً فالمتشائم نصف مهزوم قبل أن يبدأ.
- إذا اعتقدتَ أنك تستطيع فأنت تستطيع، وإذا اعتقدت أنك لا تستطيع فأنت على حق... لن تستطيع.
- إن أكثر شخصٍ معاق في هذا العالم هو صاحب التفكير السلبي.
- صوب نحو القمر... حتى لو أخطأت فسيقع سهمك بين النجوم.
- اكتب قائمةً بالأشياء التي تؤمن بها من قبل أن يخبرك الآخرون أنها مستحيلة.
- يبقى حلماَ حتى تكتبه على الورق... عندها يصبح هدفاً.
- الخيال هو الطائرة الورقية التي تستطيع أن تصل بها إلى أقصى ارتفاع.
- من العبث أن تنتظر عودة سفينتك مالم تكن قد أرسلت سفينة من الأصل.
- لا يمكنك أن تستكشف محيطاتٍ جديدة حتى تكون لديك الشجاعة ليغيب الشاطئ عن نظرك.
- إن أعظم خطأ ترتكبه أن تكون خائفاً من أن ترتكب خطأ.
اقرأ المزيد Résuméabuiyad

الإستمرار في زواج بائس "من أجل الأولاد"

ليست هناك تعليقات:



إذا كنت واثقة من أنك بائسة في حياتك الزوجية، فلا تماطلي في الحصول على الطلاق "لخاطر الأولاد". بينما تسمعين بعض الأخصائيين يقولون بأن غياب أحد الوالدين عن حياة الطفل سوف يسفر عن عقد نفسية ويزيد من الضغط عليه عندما يصبح مراهقاً أو يافعاً، خذي بالحسبان أيضاً بأن احتمالية المنافع التي يكتسبها الأولاد عندما لا يعيشون في منزل مليء بالمشاجرات هي أكبر بكثير من أي آثار سلبية تنتج عن الإنفصال.
بالتأكيد هذه الفكرة التي يحملها المقال بافتراض أنكما قد اكتشفتما بأن جميع محاولات الإصلاح وتقوية العلاقة قد باءت بالفشل، فقد تحدثتما وتجادلتما طويلاً وربما استشرتما أخصائيين وتأملتما في المستقبل جيداً ومع ذلك كله وصلتما إلى طريق مسدود تماماً وغير قابل للحل.
أنت تعرفين تماماً بأن السعادة في علاقتك الزوجية هي أمر مستحيل، ولكن توجد أسباب منطقية كثيرة من وجهة نظرك تدفعك للإستمرار، ولكن أن تبقين في زواج غير سعيد "من أجل الأولاد" هو سبب غير منطقي أبداً، وإليك الأسباب:
1.العيش مع أبوين سعيدين يحبان بعضهما الآخر هو البيئة الطبيعية والمثالية لنمو الأطفال. بينما العيش مع أب سعيد أو أم سعيدة هو أفضل بكثير من العيش مع شخصين غير سعيدين ويكرهان بعضهما البعض.
2.محاولتك كي تبدين سعيدة أمام أطفالك وأنت لست كذلك هي محاولة نبيلة، ولكنك في الحقيقة لا تستطيعين أن تمثّلي السعادة لفترة طويلة، فأطفالك سوف يدركون في الحال بأنك غير سعيدة وهذا سيسبب لهم معاناة كبيرة.
3.النفور الذي بينك وبين زوجك قد يكون على شكل عدم الكلام مع بعضكما في البيت، أو أن يعامل كل منكما الآخر بشكل سيءأمام الأطفال، وفي الحالتين لا بد وأن يغلب الصراخ والكلمات المؤذية والتهكم وربما الضرب، لأن المشاعر السلبية التي تحملانها اتجاه بعضكما لا بد وأن تفرض نفسها في النهاية.
4.سعادتك الخاصة هي أمر هام يجب أن تأخذيه بعين الإعتبار. ربما يعجيك شعور التضحية في سبيل الأولاد وعلى الأقل سيخلّصك من عقدة الذنب التي ربما تلاحقك لاحقاً، ولكن فكري جيداً بأنه لا يوجد مكان لتضحية من أجل غاية لن تتحقق أو من أجل لا شيء. لا تجعلي عقدة الذنب سبباً في اتخاذك قرار سوف يجلب بالتأكيد التعاسة لك ولأولادك.
لا تخافي من الأهل، الأقارب، الأصدقاء وكلام الناس، إنه قرارك وأنت فقط المسؤولة عن هكذا قرار. سعادة الأولاد تستحق التضحية ولكن هل فعلاً الإستمرار في حياة زوجية بائسة هي التي تجلب السعادة لأولادنا؟
اقرأ المزيد Résuméabuiyad

الخميس، 11 سبتمبر 2014

العنف في المجتمعات العربية

ليست هناك تعليقات:



أمسى العنف خبزًا يوميًّا للإنسان المعاصر. فهل هذا العنف جزء من الطبيعة الإنسانية؟ هل هو فطرة كامنة في أصوله الغريزية؟
تضاربت الآراءُ حول أصول العنف، بين قائلين بغريزية العنف (لورنتس) وبين قائلين بأنه صفة مكتسبة (سكينِّر). وتعود جذور هاتين النظريتين إلى الخلاف بين المنظِّرين والعلماء منذ عصر النهضة؛ ثم إلى الخلاف بين المناهج التقدمية، التي كانت تقول إن "الرذيلة" نتاج للظروف الاجتماعية، وبين المناهج المحافظة، التي حاولت أن تثبت أن التنافس بين البشر يعود إلى غريزة متأصِّلة لصالح كمون العنف في أعماقهم.
إلا أنه في بداية القرن الفائت تمَّ التوصل، عبر منجزات التحليل النفسي الفردي (فرويد) وعلم النفس التحليلي التجريبي (يونغ وفروم)، إلى حسم الصراع، ليَثبُت، بالتجربة، أن العنف ينقسم إلى نوعين:
أ‌.       العنف الدفاعي: ويشترك فيه الإنسان والحيوان؛ وهو عنف غريزي يهدف إلى الحفاظ على النوع.
ب‌.  العنف الخبيث (حب الإفناء): وهو عنف يختص به الجنس البشري؛ وتندرج فيه السادية وحبُّ الموت والتدمير. وهذا النوع من العنف مكتسب حتمًا؛ إذ من الممكن إثارته، والتأثير عليه، سلبًا أو إيجابًا، بواسطة العوامل الثقافية.
والعوامل الثقافية التي تؤثر في العنف "الخبيث" (التي سنكتفي بذكرها) هي:
-       الظروف الاجتماعية المحيطة (الإحباط الاجتماعي)
-       الثقافة المكتسبة عبر مراحل الحياة المختلفة (تجربة التعليم بالتعذيب)
العنف بين الحيوان والإنسان
عنف الحيوان دفاعي، ناتج عن غريزة حبِّ البقاء؛ وقد يتبلور إلى عنف بهدف الافتراس عند الحيوانات اللاحمة. وهو يظهر دون عوارض الغضب؛ ويزول التوتر العدائي عند الوصول إلى الهدف (الطعام). وهذا العنف ليس مدمِّرًا ولا ساديًّا. أما الإنسان – وهو حيوان غير لاحم في الأصل – فالعنف عنده قائم بذاته وتلقائي ومدمِّر. وتدل التجارب أن الحيوان الذي يقع في الأسر ويخسر حريته، ليوضع في محيط ضيق وفي بيئة غير بيئته الطبيعية، تظهر لديه ميول إلى العنف مماثلة للعنف العبثي المدمِّر عند الإنسان.
الرأي العامي يقول إنه كلما كان الإنسان بدائيًّا زاد ميلُه إلى العنف. ولكن الباليونتولوجيا تقول إن الإنسان العاقل، الذي أمضى 99% من حياته في مرحلة الصيد، منذ حوالى خمسين ألف سنة مضت، لم يكن يقتل ليستمتع بالقتل أو بالقسوة والعنف، ولم يكن مدمِّرًا ولا عنيفًا، ولم يكن يمثِّل بالضحية الحيوانية إلا بغرض الغذاء والكساء، ولم يكن يتسم بسلوك عدائي بين بني جلدته، بل كان يقتسم الطرائد معهم.
كان المجتمع البشري آنذاك مسالمًا بشكل عام: لم تكن حتى الكهوف محمية من احتمال اعتداء الإنسان؛ ولم تَظهَر التحصينات الهادفة إلى الدفاع ضدَّ عدوان البشر إلا في مجتمع الزراعة المتقدِّمة، أي بعد انكفاء المجتمع الأمومي وسيطرة الذكورية على الحضارة. ولا توجد في اللوحات التي رسمها الإنسان البدائي كلِّها أية مؤشرات على حروب ومعارك أو على قتل للإنسان، لأيٍّ سبب كان.[1]
ويتفق علماء النفس على أن الدوافع المكوِّنة للشخصية الثقافية ترتكز إلى عامل الحرية وتحقيق الذات أساسًا. وتتفق التجارب في مجال علم النفس التجريبي على أن الإحباط والقهر وقمع الحرية هو الأساس في الاغتراب والعنف، في حين لا تلعب العوامل الغريزية، مثل الشبع من الطعام والجنس، إلا حيزًا ضئيلاً جدًّا من وعي الإنسان المعاصر ودوافعه العنيفة. وتتأثر هذه الدوافع بالثقافة، فتحرِّضها هذه وتوجِّهها توجيهًا سليمًا أو مرضيًّا.
العنف لدى البشر، إذن، ليس من طبيعة الإنسان، إنما هو خاصية اجتماعية نَمَتْ الحضارة ونشأت معها؛ وهو ليس، بالتالي، سلوكًا مرضيًّا فرديًّا لإنسان بحدِّ ذاته. وإن اعتبرنا أن شخصية الجماعة هي ثقافتها، يكون العنف، بالتالي، فعل ثقافي مكتسب.
ثقافة العنف[2]
هل لدينا عنف في مجتمعنا؟ إن أجبت، لن يكون لبحثي أيُّ معنى! يحاول المجتمع المعاصر وثقافة العولمة فَرْضَ قيم مصطنعة، مسبقة الصنع، لكي يكتسب الإنسان معنًى لحياته: على الإنسان أن يكسب الكثير، وأن ينجح، وأن يستهلك على الموضة، ضمن الأُطُر التي يفرضها الاندماج الاجتماعي. وسواء نجح أو فشل، سرعان ما يقع في الإحباط، ليكتشف أنه افتقد حريته، دون أن يحقق أيَّ مغزًى حقيقيٍّ، وافتقد، بالتالي، دوافعه العاطفية؛ فيظهر لديه شعور عميق بالقهر والملل، يتجلَّى في ميل شديد نحو العنف والتدمير.
يتفق الباحثون أن العنف الاجتماعي يتخذ أشكالاً متنوعة، مباشرة وغير مباشرة، خفية ومعلنة. لكن ما أريد تأكيده، منذ البداية، هو أن العدوان الخارجي ليس مسوِّغًا لثقافة العنف؛ بل إن ثقافة العنف داخل المجتمع هي تأسيس للهزيمة أمام العدوان الخارجي. فلقد حان الوقت كي نتنبه إلى أن التنمية ليست مجرد تنمية للأرقام، بل هي، أولاً وأخيرًا، تنمية للإنسان. إذ يضاف العنف الإنساني، في مجتمعاتنا العربية، إلى تعنيف الطبيعة وقهرها، حيث تقوم ثقافة العنف على منظومة فكرية مركزية عقائدية وأخلاقية تستند إليها.
العنف الفردي
ونبدأ بالعنف الفردي، لنجد أنه كان دائمًا ردَّ فعل على عنف اجتماعي واقتصادي. وبين الفعل وردِّ الفعل، بين الفردي والاجتماعي، يدور المجتمع في دوامة. والنتيجة عنف متصاعد من الفرد، إلى العائلة، إلى أرجاء المجتمع كافة، ليرتدَّ عنفًا اجتماعيًّا باسم القيم والعقائد والأخلاق.
يقوم العنف الفردي على ردِّ فعل تواحدي، حيث يتواحد identify الفرد أو الجماعة مع نموذج لفرد زعيم أو معلِّم أو مربٍّ، مسوِّغين العنف بالإصلاح. ويتَّسم المجتمع الذي يهيِّئ لثقافة العنف بجملة من المظاهر:
-       انتقال السلوك والعادات من جيل إلى آخر انتقالاً جامدًا؛
-       تحكُّم العادات والتقاليد بالسلوك البشري، لا القانون والتربية والعلم[3]؛
-       نظام اجتماعي تحكُمُه مراتب عائلية ودينية واجتماعية واقتصادية جامدة.
وإذ تتأسَّس ثقافة العنف على الاستلاب الاقتصادي والاجتماعي، فإن هذا الاستلاب يولِّد، بدوره، استلابًا انفعاليًّا. فالشخص الذي يمارس العنف يقيم علاقته مع الآخر على كذب كبير مغلَّفٍ بالقيم وباللافتات الكبرى، فيردُّ عليه الآخرون بكذب مضادٍّ، مشبع بالأصولية وبالنفاق: كذب في الحياة، كذب في الزواج، كذب في الصداقة، كذب في ادِّعاء القيم، كذب في الرجولة، كذب في المعرفة، وكذب في الإيمان والتجارة والسياسية، إلخ. علاقات زائفة، ضلالية، لا حوار فيها، بل عنف وعنف مضاد، وكذب وكذب مضاد، ليتحوَّل العالم إلى زيف يلعب كلَّه لعبة العنف. وويل – حينئذٍ – لذوي النوايا الطيبة!
وتنطوي ثقافة العنف على جملة من العُقَد الاجتماعية، نحاول تحديدها كما يلي:
-       عقدة النقص من فقدان القدرة على المواجهة: الخوف من شرور الآخرين، الخوف من عدم التكافؤ الاجتماعي، الخوف من السلطة المنشغلة والمهمِلة لفردية الإنسان.
-       عقدة العار: فالإنسان، في ظلِّ ثقافة العنف، يخجل من ذاته؛ يعيش حياته عارًا وجوديًّا متأصلاً. وهو في حال دفاع دائم من احتمال افتضاح أمره وعجزه وبؤسه. يقول: "الله يستر على حريمك!" فـ"السترة" هاجسه المرضي، يخشى أن ينكشف، فلا يصمد أمام الحقيقة.
نرجسية في الظاهر وتفكُّك في الداخل! حيث يُسقِط الفرد مفهوم "العار" على السياسة، عبر التمسك بالأمجاد التليدة، ليخفي تقهقرًا وتراجعًا تجاه الواقع الظالم؛ ويُسقِط عنفه على المرأة، لتصبح موطن "العورة" والضعف والعيب والتقديس في آنٍ معًا! ويتجلَّى ذلك بسلوك التباهي والاستعراض للتستُّر على عقدة العار الناجمة عن ثقافة العنف؛ فيسري العنف، ادِّعاءً وتبجحًا وخداعًا، لينتهي إلى قلق وإحباط وسوداوية شاملة، تتكرَّر فيها مأساة الوجود وضعف الإنسان واجترار الزمن. إنه غرق في حزن أسود عميق، لا يتجلَّى إلا بانفجار العنف في مناحي الحياة كافة. وينفجر التراكم الداخلي في الشخص ضدَّ شخص آخر أضعف، يخترعه ليحمِّله وزر قهره. فالإنسان في مجتمع العنف، منذ أن ينشأ، لا يفهم إلا لغة العنف، فلا يكون لديه ردٌّ إلا بالعنف.
العنف ضدَّ المرأة
تشكِّل المرأةُ ساحةً عظمى لممارسة ثقافة العنف. إنها ملكية جماعية للعشيرة والقرية والأسرة والزوج والأب والابن، وربما للعمِّ والخال. جسدها ليس ملكًا لها، وليس لها أن تناقش أو تختار أو تحلِّل. وقد أثبتت الدراسات أن الأمم التي تربِّي أطفالها على العنف، ولو لجيل واحد، بحجة البناء أو بذريعة الدفاع ضدَّ العدوان، لا تستطيع، فيما بعد، تلافي توريث هذا العنف للأجيال اللاحقة إلا بجهود شاقة وكبيرة. وهكذا، وكما يجري تقسيم للعمل على أساس الجنس في المجتمع الذكوري، يجري توزيع للأدوار في ممارسة العنف. وتشكِّل الزوجات 76.6% من حالات العنف الواقع على المرأة، في حين يشكل الأبناء 28.6 % من حالات الاعتداء الأسري.[4]
فالأشخاص الذين تربوا على العنف أطفالاً يمارسونه تلقائيًّا مع أبنائهم. فالطفل المعرَّض للعنف لا يستطيع تمثُّل عنف أبيه، بل يغلي العنفُ في داخله ويختزنه، لينقله إلى أبنائه. وكذا الأم: فالأمهات اللاتي يمارسن العنف على أبنائهنَّ يتميَّزن بشخصية ضعيفة غير ناضجة؛ وتبيِّن الدراسات أن معظمهن تعرَّضن لعنف في طفولتهن.[5]
وفي مرحلة معينة من نموِّ العنف، يبدو أنه هو المناخ الطبيعي للمجتمع! فيظهر استعبادُ المرأة ليس كاستغلال لكائن مقهور، بل كأنه من طبيعة المرأة ذاتها، ويظهر استغلال البنات والأبناء كأداة في النفوذ وكجزء من العلاقات الطبيعية في الأسرة، بل كحقٍّ مقدس لها لا يجوز المساس به! والحال، لا يُبرَز من الدين إلا ما يؤكد ثقافة العنف وما يؤكد القناعة بالأمر الواقع، في حين أن التقاليد هي الملاذ الذي تفتخر به تلك الثقافة. وثقافة العنف تقف ضدَّ كلِّ ما يخرُج عنها: تلاحقه بالفضيحة، ويُستباح رزقُه وسمعتُه، تشفِّيًا وبطشًا. فالرجل المشحون بمشاعر العنف، المقهور من الخارج، لا بدَّ أن يُسقِط العنف والهوان على امرأته، فتردُّ هي، بدورها، لعبة العنف الذكورية بلعبة العجز الأنثوي والكذب والنميمة والمكر والكيد.
وتأتي ثقافة العولمة المتأمرِكَة والتطورات الاجتماعية العاصفة التي تمرُّ بها بلادُنا لتعطي أبعادًا جديدة للعنف الجنسي المسلَّط على المرأة. فالمرأة في الاقتصاد الطبيعي والمجتمع الزراعي والمدني التقليدي تكتسب مكانتها ليس من خلال وظيفة الإنجاب فحسب، بل من تربية الأطفال ومن دورها في الاقتصاد المنزلي. لكن هذه التطورات قد عملت، بدورها، على تضاؤل دور الأسرة في عملية التربية، من جهة، واضمحلال الاقتصاد المنزلي، بشكل خاص في المدن، من جهة ثانية. والنتيجة، بالتالي، هي تراجع دور المرأة ومكانتها.
وفي ظروف لا توفِّر للمرأة العلم والعمل، لن يكون أمامها إلا أن تستلم لآلة العنف الجسدي، كما يروِّج لها إعلامُ الغرب، متضافرةً مع آليات القهر الداخلية، لتمعن في الأنوثة ابتذالاً، وتحوِّلها إلى هَوَس الجسد وثقافة للسوق ونخاسة الأنوثة.[6] وهذا آخر ما تركتْه العولمة والتقاليد معًا لتلك المرأة في مجتمعاتنا. ويتغلغل القمع الجنسي الجمعي، بدوره، من خلال ثقافة العنف، حتى الأعماق، فتتفكَّك المشاعر، ويضعف التعاطف، وينهار احترام الذات.
العنف في الطفولة
سأنتقل الآن لفكرة أبعد: أين يتركَّز العنف في مجتمعنا؟ إنه يتركز، أول ما يتركز، في الأسرة وفي التربية. فالأم الجاهلة بأوليات التربية، المقهورة أصلاً بالعنف التاريخي الواقع عليها منذ الولادة، لن تستطيع أن تكون إلا حاضنة لثقافة العنف. إنها تشترك مع الأب في نقل نظرة خرافية إلى العالم لأولادها. فالوالدان – والأقرباء عمومًا – لا يجيبون عن أسئلة الطفل، بل يُغرقونه في التخويف والكذب؛ يكذبون عليه حتى لا يشرحوا له أو يغطوا جهلهم. إنهم يخيفونه، ولا يتورعون عن تهديده بالنار والحساب، ليبثوا أعنف المخاوف البدائية لردعه حتى عن أكل فتات خبز وَقَعَ على الأرض! – عنف ثقافي لن يجد الطفل–الرجل مخرجًا منه إلا بعنف مقابل. فبين قدسية الأبوة وحرمة الأمومة يسقط الطفل – باسم "الطاعة" – مهشَّمًا تحت وابل الأوامر والنواهى، فينشأ لديه نظامٌ لمفاهيم الحياة قائمٌ على التسلُّط والعنف والاعتباط.[7]
وتعود المرأة لتردَّ هذا العنف هيمنةً عاطفيةً تعويضية من خلال أطفالها، تعويضًا عن غبن لَحِقَ بها باسم "الأمومة المتفانية"، فتغرس في نفوس الأطفال تبعية الحبِّ وحبَّ التبعية، وتطوِّقهم بعوالم الخرافات والغيبيات، فلا يكون لها إلا أطفال منفعلون، مستلَبون للخرافات، عُجَّز. فالأب، حصيلة خرافات أمِّه ومجتمعه وأكاذيبهما، يأتي ليكمل عمل الأمِّ، خوفًا وهيمنةً وتحريمًا: لا قانون، ولا عقل، ولا تجريد، ولا نقد، ولا شروط سليمة للنموِّ الصحي للعاطفة والعقل – ناهيكم عن الاعتداء الجسدي على الأطفال.[8]
التعليم
العنف أيضًا يبدأ في المدرسة؛ إذ تأتي المدرسة لتتابع ثقافة العنف، عبر سلسلة طويلة من العلاقات التسلُّطية، تفرضها منظومة عقائدية مركزية وسلطوية، قائمة على ثقافة العنف والعسكرة[9]: معلِّم عاجز عن الوصول إلى عقل الطالب إلا عبر العنف، تصير الدراسة، من خلاله، "تدجينًا"، والتعليم خصاءً للفكر: فلا تحليل ولا موقف ولا رأي ولا اختيار، بل تعليم تلقيني، يصنع عقولاً راكدة مستلَبة للخرافة. فالعقل التقني عقل فارغ، وهو مستعد لتلقِّي العقائد الجاهزة؛ إنه عقل خرافي البنية، تلتقي فيه الخرافات والروايات. وهذا النمط من "التعليم" سطحي، تلقيني، امتثالي، بعيد عن النقد والجدل؛ وسلطة المعلِّم فيه لا تناقَش، والطالب يطيع ويمتثل. تعليم يعزِّز الانفعال، ويكرِّس التبعية الفكرية والثقافية، ويَحْرِم من استقلال الرؤية وممارسة التفرُّد في الحياة. (من هنا فإن عملية التدجين المدرسي هي في صلب حركات الرفض والعنف المضاد لدى الشباب.)
أما المواد الدراسية فغريبة عن الحياة اليومية للطالب: مواد فصامية، نصفها مستورد من خارج المجتمع، ونصفها الآخر مستورد من الماضي. فذاك الذي يلبس لبوس "المعلِّم" يتعامل مع الطالب لفظيًّا وخرافيًّا؛ وبذلك لا يعكس العلمَ ثقافةً، بل يبترُه عن جذوره المعرفية، فيختزله إلى قشرة خارجية تعمِّق الغربة، في حين تبقى لغة الحياة اليومية لغة الأمِّ مشحونة بالانفعال.
إن ثقافة العنف هذه تندرج في أرجاء التعليم والحياة كافة، في العمل كما في التدريب والتعليم، وفي العلاقة مع الجار والابن والأب والزوج والأخت. فإما أن تكون متسلِّطًا وإما مقهورًا – وغالبًا ما تكون الاثنين معًا، رازحًا تحت هرم من العنف الهائل. جبرية وقدسية وقَدَرية تسود أرجاء الحياة كلَّها: فأنت إما "مع" وإما "ضد" – في حين أن العصر كلَّه يتَّجه نحو تعليم لا يكتفي بنقل العلم والتقنية عبر القوانين، بل نحو علم مؤصَّل ثقافيًّا ومعرفيًّا.
العنف الاجتماعي
إنني أزعم أن أية ثقافة تقوم على النرجسية، ورفض الآخر، والانغلاق، والارتداد إلى السلف، القريب أو البعيد، لن تكون إلا ثقافة للعنف، تغلق العقل وتحبط التنمية. إنها لا تصدر عن العقل، إذ ترفض العقلانية بحثًا واجتهادًا ونقاشًا؛ بل إنها تعصُّب انفعالي، في محاولة لإجبار الآخر على الخضوع. ولا تخلو من العنف أية ثقافة؛ لكن ما يميِّز وضعَنا هو تراجُع الثقافة المضادة، القائمة على الحوار والعلمانية والانفتاح الفكري والحضاري، لصالح التعصب والانغلاق.
بين قهر التقاليد، وقهر الأسرة والعشيرة، والقهر الاقتصادي والسياسي، ترزح شخصية الفرد العربي تحت عنف شامل يمنع تفتحها ومجابهتها لحقائق الحياة والوجود. تنتج لدينا ذهنيةٌ متصلِّبة، محدودة الأفق، حيث كلُّ تجديد وسؤال هو إثْم يستحق العقاب والتصفية، لأنه يزعزع المحرَّمات وحقائق الماضي المهشَّم. فكرٌ أشْوَهُ، وحيدُ الجانب، انفعالٌ مضطرب، وشخصيةٌ مفكَّكة. كلُّ ذلك يولِّد انكفاءً على الذات، وارتدادًا إلى الماضي، تمسُّكًا بالتقاليد، حتى تكاد ثقافة العنف تبدو جزأً من طبيعة الأمور. فالواقع أن علاقة الفرد بالمجتمع يسودها التناقض بين أمل أسطوري وإحباط تاريخي.
إن الوسيلة الدارجة في مجتمع العنف هي توجيه العدوانية نحو الخارج عبر التعصب الطائفي أو العرقي أو الديني. ويصير الأمل الأخير للفرد المقهور منصبًّا على منقذ موهوم، يُلبِسُه كلَّ الصفات المضادة لضعفه، وسرعان ما يرتد عنه، كفرًا وعنفًا مضادًّا، ليغرق في دوامة جديدة من العنف.
ولعل موقف الإنسان، في مجتمع العنف، من القانون يعطينا فكرة عن تفكُّك شخصيته، حيث لا يكون الاعتداء على القانون محرَّمًا، بل يكون خوفًا من العنف! فالقانون لا يُفرَض إلا على مَن لا يمتلك القدرة على خَرْقِه. ليس هناك احترام للقانون، بل رضوخ وإرغام – ولك أن تخترق القانون إذا استطعت أن تنفد بجلدك! فإن ضعفتْ سلطةُ القانون، وتراجعتْ قدرةُ المجتمع على فَرْضِه، ينفجر العنف انفجارًا مذهلاً، وتنفجر العدوانية الكامنة، ويتعمَّم الاعتداء على القانون، واستباحة الحدود والممتلكات، دون مراعاة للمُواطَنة والجيرة والمشاركة أو الانتماء أو حقوق الإنسان.
العنف في الفكر والسياسة
كلُّ المجتمعات التي قامت على عقائد، لا على قيم للإنسان، غدت فريسة للعنف الاجتماعي، وأضحتْ فيها المؤسَّسة بديلاً عن العقيدة، والطقس بديلاً عن القيمة والمغزى الديني أو العقائدي. من هنا فإن ثقافة العنف في الفكر والسياسة تقوم على عقيدة مركزية توتاليتارية، لا سبيل إلى تقويضها بغير العلمانية.
والعلمانية، في القرن الحادي والعشرين، لم تعد تعني مجرَّد فصل الكنيسة أو الفكر الديني الغيبي عن الدولة والتشريع والإدارة والثقافة، بل أصبحت تعني رفض فَرْضِ كلِّ مسبق عقائدي على العقل والإنسان. من هنا فإن العلمانية هي الطريق للتأسيس لثقافة حقوق الإنسان.
فأية عقيدة أو مؤسَّسة تضع نفسها فوق المُساءلة والجدال والنقد والحوار ليست علمانية، مهما ادَّعت العقلانية والعلم؛ بل هي تؤسِّس لثقافة العنف والتعصب. وأية جماعة تغتصب أدواتِ الحوار، مدَّعيةً احتكار الحقيقة، بحقٍّ إلهي أو شعبي، لا تلبث أن تُخضِع المؤسَّسة والمجتمع المدني لسطوة مزدوجة: سطوة التقاليد وسطوة الاستبداد. فالضمانة الوحيدة ضدَّ ثقافة العنف هي العلمانية. والعلمانية ليست نفيًا لقيم السماء، ولا لقيم الأرض، بل هي تكريس لعقل الإنسان الحرِّ.
ثقافة العولمة
وفوق ثقافة العنف التي تعشِّش في مجتمعاتنا، يأتينا القصف الثقافي البخس لثقافة العولمة. إن العولمة لا تنقل إلينا القيم التي أسَّستْ لنهضتها: الديموقراطية، والعلمانية، وقيم المجتمع المدني، والمُواطَنة، بل هي تقصفنا بالتفاهة والعنف العبثي والتسطُّح الفكري، باسم العولمة الثقافية. فالعنف الثقافي هنا "عدوان ثقافي"، لا حوار حضارات، وتكريس للتفوق ولمنهج الإبادة الثقافية والبشرية.[10]
وما يقدَّم لنا على أنه نظام للسوق العالمية يهدف إلى ترسيخ فكرة الخضوع لضرورات الإنتاجية بالمعايير الغربية، وكأن الاقتصاد ليس إلا علمًا للأشياء، علمًا للتنمية الاقتصادية فحسب. ويبيع لنا إعلامُ العولمة الجنس العنيف والعنف الجنسي بأبخس الأسعار وبنفس السهولة التي يبيع بها أهم أخبار المجاعات والحروب. وإلى جانب العنف المباشر، تقوم ثقافة العنف العولمي بتكريس مفاهيم البطولة والخلاص الفردي: "اقتل، واضرب، ومزِّقْ، وانفد بجلدك!" عنف فردي يكرِّسه عنف جمعي، ويركَّب فوقه عنف كوني باسم العولمة والأمركة.
أمثلة على التلاعب الإعلامي
وها هي ذي وسائل الإعلام التي موَّلتْها بعض دول النفط على عتبة حرب الخليج الثانية تقدِّم لنا صورة فتاة لاجئة شابة، تروي كيف أفلتتْ بصعوبة من الأفظاظ العراقيين، وكتمتْ اسمها خوفًا من الانتقام. وها هي ذي تروي أمام الجمهور الأمريكي كيف اختطف العراقيون 12 مولودًا من الحاضنات ورموهم أرضًا ليموتوا، ثم أجهشت بالبكاء.
سرعان ما هزَّتْ هذه الحادثة أمريكا، وحصل بوش، بفضلها، على تفويض من الكونغرس بالحرب. وهكذا قُضِيَ في أيام على 200000 عراقي. ولكن سرعان ما تبيَّن أن هذه المؤسَّسة الإعلامية الأمريكية تلاعبت بعقول 250 مليون أمريكي – إذ لم تكن اللاجئة المزعومة سوى ابنة أحد سفراء الخليج في نيويورك، وقد فعلت ذلك مقابل 10 ملايين دولار! ألم تشارك وسائل إعلام العولمة في قصف شعب العراق بنفس القدر الذي ساهمت به الطائرات والصواريخ؟! ولقد أكد جورج بوش صحة هذه الرواية.
كذلك حين احتاج الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة للتدخل في الصومال، سرعان ما غزت كاميرات الـCNN كلَّ أرجاء الصومال، لتصوِّر أكواخ الجياع ومخيَّماتهم. وحين انقلبت المصالح، سرعان ما انسحب الجيش الأمريكي وانطفأت الكاميرات.
هل من مَخرَج من حلقة العنف المجنون؟
يجب أن ندرك، أولاً، ذلك الحيِّز الهائل الذي يحتلُّه العنف وثقافة العنف، بدءًا من حياتنا اليومية، إلى مختلف جوانب الحياة الفكرية والسياسية. ولا بدَّ، بعد إقرارنا، من أن نحرِّر الدراسات والبحث العلمي، لتغدو شفافة، سواء في علم الاجتماع أو في غيره من المجالات.
ثم إن مواجهة كلِّ الأصوليات في المجتمع تحتِّم إعادة الاعتبار لمؤسَّسات المجتمع المدني: فهي وحدها القادرة على مواجهة الفكر الشمولي والأصولي، وعلى محاصرة ثقافة العنف. فلقد أثبتت المؤسَّسات السياسية فشلاً ذريعًا في بلادنا في معالجة جملة من القضايا الاجتماعية والجماهيرية، بدءًا من محو الأمية، إلى تحرر المرأة، إلى الثورة الثقافية، إلى حماية المدن والآثار.
والطريق إلى هذا كلِّه يبقى هو العلمانية، التي ترفض كلَّ طقس أو عقيدة لا تنتجها حركةُ الحياة، كلَّ طقس أو عقيدة تسوِّغ العنف. بدون العلمانية، تسود العسكرة والتسييس المفتعل لكلِّ شيء في المجتمع، ليطغيا على سائر مرافق الحياة في مجتمعاتنا العربية. ومن تسييس العسكر إلى عسكرة المجتمع المدني، تنهار ثقافةُ الحوار والاختلاف والقبول بالآخر تحت وطأة ثقافة العنف، ويصير المجتمع مفتوحًا على الأصوليات وأشكال التعصب كافة، ويعيش في رعب العنف كلٌّ من السَّجَّان والسجين على حدٍّ سواء، ويصير السِّلم الاجتماعي استثناءً وشذوذًا.
موقف الثقافة السكونية من الديموقراطية وحقوق الإنسان
إن الهاجس الأساسي الذي دفعني إلى البحث في العلاقة بين الثقافة، من جهة، وبين العنف وحقوق الإنسان في مجتمعاتنا، من جهة ثانية، هو سؤال طرحتُه على نفسي في بدايات العقد الماضي: لماذا تقبَّلتْ مجتمعاتٌ عربية عديدة، منذ نهاية التاسع عشر، قيم حقوق الإنسان والديموقراطية، دون أن تنقطع عن فهم الثقافة والتراث الإسلاميين، بل قاربت الثقافة العربية الإسلامية من منطق الاستشراف الحَداثي، حتى فيما يخصُّ الأحوال الشخصية وإعمال التقنيات الحقوقية النابوليونية، دون مقاومة كبيرة حينذاك؟ ولماذا نشهد، في زماننا، الأصولية تلعب دور ردِّ فعل نكوصي معادٍ للتحديث والإصلاح؟
ليس من الصحيح القول إن ثقافتنا، بما تحمله من إرث، تشكِّل رصيدًا قويًّا لصالح استمرار قيم الاستبداد وسيادتها. فليست ثقافتنا العربية الإسلامية أفقر بمفاهيم الحرية من غيرها، ولا هي أغنى بالاستبداد من غيرها (الهند مثلاً). لكن حيثما ساد في الغرب وعيٌ بالتأخر لدى أمة أوروبية، ساد الاستبداد والتوتاليتارية والهوس القومي، كما جرى في ألمانيا النازية. وكلُّ النهضات الأخرى، سواء نهضة فجر الإسلام أم النهضة الأوروبية أو غيرهما، قامت على أساس الانتصار الاستراتيجي على الآخر – انتصار دفع الآخر بعيدًا.
أما النهضة في حالتنا الراهنة، فلقد قامت في ظروف غزوٍ وتحدٍّ وجودي: صار التراث سلاحًا إيديولوجيًّا في وجه الآخر الغازي، ولم يعد منظومة مرجعية قيمية، نراجعها بالنقد والتقييم وندرك نسبية كلِّ قيمها. أضحى التراث آلية للدفاع الذاتي عن النفس أمام الانصهار؛ أضحى هو وحده الهوية. فأضحى الضعف والانكسار لا يُعزى إلى تخلُّف البنية العقلية، ولا إلى المحدِّدات الثقافية، بل إلى أسباب طارئة، شكلية أو تآمرية. وأما هويتنا، كما يتم الترويج لها في ثقافتنا العربية الدارجة، فتقع فريسة لهاجس التعالي المفرط، هاجس الصدارة والخوف من الذوبان، مما يعيق مساهمتها بدورها "التاريخي" المفترض في صياغة الثقافة العالمية.
وفي حين أن الأسطورة كانت أساس الثقافات قاطبة، فإن ما ميَّز موقفنا من تراثنا هو أسطرتنا للتاريخ. كلُّ ثقافة قامتْ على التميُّز؛ لكن ما ميَّز موقفنا من التراث أنه يقوم على الفرادة، على التفرد والغائية، على التفوق، بحيث تنحصر مهمة العقل في التأويل وخلق مفاهيم مزيفة تشلُّ القدرة على فهم الواقع، سواء ارتدى ذلك لبوسًا سلفيًّا أو نهضويًّا، ليبراليًّا أو ماركسيًّا. لذلك اتخذ موقفُنا من التراث صفتَي:
1.     الفصل الشديد بين الصديق والعدو؛
2.     قلق من الآخر ورفض له.
موقف فصامي من الثقافات الأخرى الأقوى: وَهْم إمكان التلامس معها، دون التلوث بها! لذلك قام موقفنا على منطق جفري، حتمي، لاهوتي، قوامه منظومة مفاهيمية متكاملة، عناصرُها:
1.    الصبر؛
2.    الزمن والقائد التاريخي الموعود (المستبد العادل)؛
3.    حتمية الانتصار التاريخي.
ولعله منطق يوحِّد الأصوليات كلَّها: سلفية وليبرالية وماركسية.
وفي ثقافتنا الرائجة لا يقدَّم التراث كبنية حضارية تتقدم وتنمو. لذلك نجد جهلاً بتاريخ الثقافات الأخرى، وجهلاً بحركة المعرفة البشرية، بل نظرة ستاتيكية سكونية إلى المعرفة البشرية. وفي النتيجة، رفض للآخر: لا تقدَّم ثقافة العرب على أنها إعادة إنتاج للثقافة الإغريقية، ثم ارتقاء بجوانب هامة منها؛ ولا تقدَّم الثقافة الغربية على أنها إعادة إنتاج، بل تجاوز إيجابي للبنية العقلية للحضارة العربية ولقيمها ومفاهيمها ومعرفتها.
تاريخ الثقافة الرائجة هو نسخة رديئة عن الماضي – نسخة ميتة بالتعريف. فالحاضر مشغول بالماضي؛ أما المستقبل فأسير لحاضر مفوَّت. إنه موقف فصامي من واقع مزدوج – والفصام، كما حاولنا أن نثبت سابقًا، هو الأساس في ثقافة العنف: فمنذ قام محمد علي بفصل الأزهر عن المدرسة انشقَّ المجتمع إلى شقَّيْن، ثقافتين، عالمين، ونشأت مؤسَّستان، بل ثقافتان، تتحايثان المكان وتصطرعان على الزمان، فتفرزان صراعًا بين المؤسَّسة العلمية والمؤسَّسة الثقافية، بين العلم والثقافة. ومنذ ذلك يوم بدأ فصل العلم عن الثقافة.
ومن تجربة محمد علي، إلى التجربة الناصرية، إلى التجربة الشيوعية المحلِّية، ساد المنطق النهضوي الفصامي من هذه الازدواجية؛ نشأ موقفٌ فصامي من واقع مزدوج: تلفيق وتوفيق. والنتيجة هي أن الماضي حاضر فينا، لا كتاريخ نبني عليه، بل كمنظومة فكرية "معجزة"، نعجز عن تجاوزها، وتشكِّل غلافًا عقائديًّا لصراعاتنا وجاهلياتنا الراهنة.
ولعل في موقف بعض القوى المتنوِّرة والثوريةِ الموقف من المرأة مثالاً صارخًا على مآل الوسطية في الثقافة. إن المرأة هي حصن حصين للتقاليد ولثقافة العنف؛ لذلك يتخذها الارتداد المدني الحاصل حصنَه الأول، حيث تكون المرأة مرتكَزًا له، لأنها معقله الأكثر إيغالاً في البُنى الاجتماعية. ومادام هذا الحصن مغلقًا لن يُتاح للحداثة اختراقُ الطبقات الكثيفة التي لا تزال تحيط بكامل المنظومة السلفية.
حتى التيارات الشعبوية، بأغلفتها المختلفة، أعادت إنتاج القيم التقليدية الدارجة التي تمجِّد الذكورة كمرتكَز قيمي للعداء للآخر: الغرب. بذلك قبلت التيارات العلمانية بالمساواة بين الرجل والمرأة في السياسة، لكنها لم تقبل بها في القوانين المدنية وقوانين الأحوال الشخصية. مثالنا على ذلك ما وَرَدَ في الميثاق الوطني الجزائري للعام 1976:
على الاتحاد الوطني النسائي أن يكيِّف نشاطه مع المشاكل الخاصة التي يطرحها انخراطُ النساء في الحياة الحديثة، وعليه أن يدرك أن تحرُّر النساء لا يعني التخلِّي عن المعتقدات والتقاليد الأخلاقية التي يختزنها الشعب عميقًا.
ثم كيف يتطور ذلك الموقف الوسطي؟ هي ذي صحيفة المجاهد الجزائرية تقول: "ليست النساء مساويات للرجال. فجماهيرنا الكادحة هي في العمق تقليدية ومحافظة. إن اشتراكيتنا تستند إلى الأعمدة السبعة... لا إلى تحرر النساء." وهاهي جريدة المجاهد بعد سنوات تقول: "كان تحرر المرأة عاملاً حاسمًا في انحطاطنا." ثم تتابع: "إن خضوع المرأة لزوجها... لا يمنعها على الإطلاق من المساهمة في الحياة السياسية." ليتابع أحد الأصوليين، بعد سنة واحدة: "حتى صعود النساء إلى الجبال مع المجاهدين كان وبالاً عليهم، ولم يزدْ الجنود إلا خبلاً وفتنة، والله وحده يعلم ماذا كان يحدث هناك."
فما الذي نتج عن ذلك كلِّه؟ بَنَت الثقافة العربية، بمنابعها المختلفة، استراتيجيتَها على مصالحة الداخل في مواجهة الخارج. فما الذي نتج عن ذلك؟
أصالتنا هي طريقنا لإفنائه
حداثة الآخر: كُفر وتسطًّح حضاري ?
الشمولية من صلب "تقاليدنا"
ديموقراطية الآخر: فوضى وتفكُّك ?
ذكورية
تحرر المرأة: فجور وتحلُّل ?
التمترُس الماضوي
الحوار مع الآخر: مرفوض ?
إنه الوهم الجفري بأن كلَّ حَدَثٍ يسير إلى صالحنا، ودليل على قرب تفكُّك الغرب. وما الذي نتج أيضًا؟
نتج وعيٌ شقي، ينوس بين ماضٍ نمتلكه، ولا نستطيع تجاوزه إيجابيًّا، وبين مستقبل لم نؤسِّس له، ولا نستطيع القفز إليه – وعي رغائبي، يداور المتغيرات وينتج حلولاً دفاعية؛ وعي غير مطابق للواقع. ونتج أيضًا خطابٌ سياسي مبني على إملاءات مسبقة لدى التيارات الفكرية كافة، بحيث نصل متخلِّفين دومًا عن ركب الأحداث.
تنبأتْ تحليلات غربية كثيرة بغزو الكويت – إلا نحن، بسبب غرقنا في مفاهيم شيم العرب وأخلاقياتهم. لذلك صرنا حَداثيين في الحياة والاستهلاك، أصوليين في الثقافة. وتعمَّق التباس العلاقة بين الماضي والمستقبل. صار تاريخُنا الحديث صراعًا ضدَّ الغرب ولأجله: صار بعضنا "مع" الغرب إيديولوجيًّا، و"ضده" سياسيًّا؛ وبعضنا الآخر "مع" الغرب سياسيًّا و"ضده" إيديولوجيًّا. وصار تاريخنا صراعًا ضدَّ الماضي ولأجله: بعضنا سلفي سياسيًّا وحَداثي إيديولوجيًّا؛ وبعضنا الآخر سلفي إيديولوجيًّا وحَداثي سياسيًّا. وأمسى الإنسان وحقوقه الهاجس الأخير عند كلِّ من ادَّعى "التنوير" فينا. وما الذي نتج عن ذلك أيضًا؟
نتج شرخ اجتماعي ثقافي شامل: ازدواجية كاملة، تخلق مناخًا صراعيًّا في جوانب الحياة كلِّها، من الاقتصاد إلى الثقافة؛ ونشأ شرخ بين قطاعين: الأول عصري مستنسَخ، والثاني تقليدي ماضوي.
إن جوهر المشكلة التي نشأت ليس في ازدواجية الواقع، بل في ازدواجية الموقف منه. إنها العقدة الأساس: نصف حداثة، ونصف ماضوية سلفية. نستثمر في القطاعات العصرية باسم التحديث، ونستثمر في القطاعات التقليدية باسم الأصالة. والنتيجة فصام على المستويين الفردي والمجتمعي: حرب أهلية ثقافية شاملة.
ولعلنا نستطيع أن نضرب مثلاً على استيعاب المفارقة بين رموز النهضة في البلدان المتطورة و"نجومها" في بلادنا. فرموز النهضة في الغرب هم: مصرفي يتأبط عالِمًا، يصفِّقان لفيلسوف أو مبدع (وكثيرًا ما تبلورت الشخصيات الثلاث في واحد: ديكارت، سبينوزا، إلخ). وأما "نجوم" نهضتنا فهم: تاجر مدني، يتأبط بيروقراطيًّا، يصفِّقان لمثقف تراثي (وكثيرًا ما اجتمعت الشخصيات الثلاثة في واحد).
تأصيل الديموقراطية وثقافة حقوق الإنسان
لا بدَّ لثقافة حقوق الإنسان من أن تؤسَّس على نهضة مفهومية جديدة للمُواطَنة، تبدأ، أول ما تبدأ، من الأكاديميات والتعليم. إن ثقافة حقوق الإنسان هي التي تسمح بإعادة تأسيس مجمل العملية التربوية ضدَّ أشكال الفكر المسبق كافة، وبتكريس الوحدة الثقافية بتعزيز التنوع والحرية القائم على مبدأ الحوار والقبول بالآخر، وبإعادة التأسيس للعملية الثقافية على أساس إعادة التجديد من الداخل والانفتاح على الخارج.
هذه الأهداف المتعلقة بالتأسيس لثقافة حقوق الإنسان ليست منوطة بطبقة بعينها، مع أن طبقات بعينها قد تلعب أدوارًا تاريخية فيها. إنها نهضة تشمل البُنى الاجتماعية والفعاليات السياسية كافة، لتصهرها حول أهداف النهضة – نهضة تقوم على تكتل تاريخي للمجتمع والأمة بأسرها، لتكريسها، بكلِّ طاقاتها، لهذه الأهداف. وهذا لا يعني أن تتخلَّى الطبقات والأحزاب عن مصالحها وإيديولوجياتها، بل يعني تكريس هذه الأهداف لخدمة نهضة الأمة. إنها تعني وضع الوطني القومي النهضوي الديموقراطي زمنيًّا فوق الإيديولوجي. وهذا يحتِّم أن تقوم الأحزاب والقوى الاجتماعية بالتخلص من تشرنقها العقائدي ومن ترهُّلها الذي تمسخ به ارتباطاتها بالحياة وبقيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
ونستطيع أن نقول إن القيمة العميقة لأية حضارة تكمن في المكانة التي تعطيها لكرامة الإنسان. وفي المقابل، فإن حرية الوطن ليست شرطًا مسبقًا لحرية الإنسان؛ بل إن حرية الإنسان وحقوقه ومكانته كمواطن هي التي تؤسِّس للتنمية الحقيقية. لكن ما حصل أنه إبان فترة الحرب الباردة تمَّ توظيف حقوق الإنسان السياسية، من جهة، وحقوق الإنسان الاجتماعية، من جهة أخرى، سلاحًا في الدعاية والتضليل السياسيين، خدمةً للمصالح الجيوبوليتيكية لهذه الدولة العظمى أو تلك.
ليس هناك أيُّ معنًى لدولة القانون، ولا لأية تنمية، من دون حقوق الإنسان؛ بل إنها هي التي يجب أن تشكِّل المدخل الرئيسي لحثِّ عملية التنمية والتأسيس لها. فمنطق حقوق الإنسان يجذِّر ويعزِّز أبعاد التنمية ويؤسِّس لها، لتصبح أعمق وأكثر أصالة في بنية المجتمع. وليس هناك أيُّ معنًى لدولة القانون، ولا لأية تنمية، خارج إطار تعزيز حقوق الإنسان وتكريس مبدأ المُواطَنة. وكما في السابق، فإن النضال في القرن الجديد من أجل حقوق الإنسان سينطلق، أولاً، من تصفية أشكال الثقافة والانتماء ما قبل المدنية، ومن هدم المصالح السياسية والثقافية للمستفيدين من أيِّ تقسيم للمواطنين على أساس طائفي أو عشائري أو عنصري، ثانيًا.
لقد أثبتت التجارب أن القوانين لا يمكن أن تكفل حقوق الإنسان. لكن حقَّ الحياة والتعليم والتغذية والعمل والحماية ضدَّ المهانات كافة هي شروط لا بدَّ منها لنجاح التنمية، وليست مجرد أهداف مثالية عامة. إذ إن الجمع بين الأفق التنموي وأفق حقوق الإنسان، القائم على الانتماء الوطني (المُواطَنة)، هو الشرط لتحقيق تنمية بشرية في هذا العصر؛ بل إن كلاً منهما يعزِّز الآخر.
لقد غيَّر النضال من أجل حقوق الإنسان وجه العالم. وتنخرط فيه، أكثر وأعمق، ثقافةُ الجنسانية gender، لتدعمه بزخم كبير من أجل تعزيز النضال العام من أجل حقوق الإنسان. وعلى الرغم من ذلك، فإن تسريع التنمية الوطنية لا بدَّ منه من أجل استئصال الفقر الذي يشكِّل العائق الأساسي أمام توفير الشروط الأساسية لتحقيق حقوق الإنسان.
مع ذلك، فإن العنف والقمع لا يزالان متجذِّرين بقوة في مجتمعاتنا، في حين تعاني المؤسَّسة القضائية من اعتباط ونقص كبير في الكفاءة، بسبب ظواهر الفساد. إذ لم تعد التدابير والأنظمة وحدها كافية لحلِّ المشكلة، بل إن الأمر بات يتطلب إعادة النظر جذريًّا في البنية الإدارية والمؤسَّساتية للقضاء ذاته. فإذا كانت العدالة هي الشرط الأساسي لتنمية حقوق الإنسان، فإن الشفافية هي العمود المحوري الذي ينبغي أن تدور حوله المؤسَّسة القضائية للحيلولة دون تسلُّط منطق مراكز القوة وجبروتها.
وحدها الديموقراطية تستطيع أن توفِّق بين الأشكال الخمسة لحقوق المُواطَنة، أي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية والثقافية. إلا أن بعض الديموقراطيات تفشل في تجذير حقوق الإنسان: فهي لا تلبث أن ترتدَّ قمعًا لهذه الأقلية أو تلك، لهذه الثقافة أو تلك، أو لهذا الفكر أو ذاك؛ كما أن الأحزاب غالبًا ما تكون مبنية، من حيث المبدأ، بحيث تستبعد الأغلبية من المشاركة.
*** *** ***

اقرأ المزيد Résuméabuiyad

الثلاثاء، 27 مايو 2014

فن التعامل مع الآخرين

ليست هناك تعليقات:

إذا فكرنا في العلاقات الإنسانية التي تربط الناس ببعضهم البعض سنجد غياب الكثير من القيم، مما حول النفوس إلي كائنات ضارية نتعارك معها كل يوم بل كل ساعة. لكل إنسان جانبان إحداهما يستحق النقد والآخر يستحق المدح. فكيف حينئذ تحقق السعادة لنفسك في تعاملك مع الآخرين وإصدار أحكامك عليهم؟ لابد من أن تتحلى أنت بهذه الصفات لكي تستطيع التعامل مع أى شخص، فأنت فقط الذي بوسعك تحقيق ميزان السعادة والرخاء:

- أولها الموضوعية: ومعني ذلك أن تنقد نفسك قبل نقدك للآخرين بالإضافة إلي تقبل نقد الآخرين لك، ويقصد هنا "النقد الإيجابي" ليس القائم علي المصالح الشخصية.

- ثانيها المرونة: المرونة والحياد وعدم الانحياز هي كلمات مرادفة لبعضها البعض تظهر هذه المرادفات بوضوح في تعاملاتنا وعلاقاتنا في محيط الأسرة والعمل ويكون الانحياز مطلوباً وحاجة ملحة في الحق وإنجاز الأعمال وأدائها، أو لموضوع عندما تكون إيجابياته أكثر من سلبياته.

- ثالثها التواضع: اعرف حدود قدراتك وإمكاناتك، لا تغتر ولا تتعالى علي من هم حولك واجعل الكلمة الطيبة دائماً ضمن قاموسك اللغوي الذي تستخدم مصطلحاته في حوارك مع الآخرين.

- رابعها الصبر والمثابرة: إذا كان هناك أشخاص يحاصرونك بالمضايقات عليك بالتحلي بالصبر والمثابرة والمحاولة في كل مرة تفشل فيها عند التعامل معهم حتى يتغيروا وتكيفهم حسبما تريد لكي تصل إلي نتيجة ترضيك.

- خامسها سعة الأفق: لا تتعصب لرأيك بل كن علي استعداد لتغييره أو التخلي عنه إذا دعت الحاجة لذلك. لا تقبل أي شئ علي أنه نتيجة نهائية وحتمية بل قابلة للمناقشة والتغيير. تعلم كيف تعارض وكيف تؤيد كل حسب الموقف.

- سادسها العقلانية: عدم الخضوع للمشاعر الذاتية، لابد وأن يكون هناك تفسيرات وأعذار مقبولة لكل فعل يقوم به الإنسان تجاه غيره. فسعادتك المنشودة لا تكمن في الجفاء والكراهية وإنما في العطاء والحب للآخرين بلا حدود!! "
:34



إذا فكرنا في العلاقات الإنسانية التي تربط الناس ببعضهم البعض سنجد غياب الكثير من القيم، مما حول النفوس إلي كائنات ضارية نتعارك معها كل يوم بل كل ساعة. لكل إنسان جانبان إحداهما يستحق النقد والآخر يستحق المدح. فكيف حينئذ تحقق السعادة لنفسك في تعاملك مع الآخرين وإصدار أحكامك عليهم؟ لابد من أن تتحلى أنت بهذه الصفات لكي تستطيع التعامل مع أى شخص، فأنت فقط الذي بوسعك تحقيق ميزان السعادة والرخاء:

- أولها الموضوعية: ومعني ذلك أن تنقد نفسك قبل نقدك للآخرين بالإضافة إلي تقبل نقد الآخرين لك، ويقصد هنا "النقد الإيجابي" ليس القائم علي المصالح الشخصية.

- ثانيها المرونة: المرونة والحياد وعدم الانحياز هي كلمات مرادفة لبعضها البعض تظهر هذه المرادفات بوضوح في تعاملاتنا وعلاقاتنا في محيط الأسرة والعمل ويكون الانحياز مطلوباً وحاجة ملحة في الحق وإنجاز الأعمال وأدائها، أو لموضوع عندما تكون إيجابياته أكثر من سلبياته.

- ثالثها التواضع: اعرف حدود قدراتك وإمكاناتك، لا تغتر ولا تتعالى علي من هم حولك واجعل الكلمة الطيبة دائماً ضمن قاموسك اللغوي الذي تستخدم مصطلحاته في حوارك مع الآخرين.

- رابعها الصبر والمثابرة: إذا كان هناك أشخاص يحاصرونك بالمضايقات عليك بالتحلي بالصبر والمثابرة والمحاولة في كل مرة تفشل فيها عند التعامل معهم حتى يتغيروا وتكيفهم حسبما تريد لكي تصل إلي نتيجة ترضيك.

- خامسها سعة الأفق: لا تتعصب لرأيك بل كن علي استعداد لتغييره أو التخلي عنه إذا دعت الحاجة لذلك. لا تقبل أي شئ علي أنه نتيجة نهائية وحتمية بل قابلة للمناقشة والتغيير. تعلم كيف تعارض وكيف تؤيد كل حسب الموقف.

- سادسها العقلانية: عدم الخضوع للمشاعر الذاتية، لابد وأن يكون هناك تفسيرات وأعذار مقبولة لكل فعل يقوم به الإنسان تجاه غيره. فسعادتك المنشودة لا تكمن في الجفاء والكراهية وإنما في العطاء والحب للآخرين بلا حدود!! "



اقرأ المزيد Résuméabuiyad

الصبر على تربية الابناء

ليست هناك تعليقات:


 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد :-
فقد جعل الله - عز وجل - الصبر قوام الأمور ، وزمامها ، وضابطها وبهذا المنهج الرباني من الصبر قامت الأسر المسلمة في تربيتها ورعايتها لأولادها .
فالأسرة مسؤولة عن أولادها ولقد كرم الله سبحانه الأم ورفع شأنها فجعل الأم راعية ومسؤولة عن رعيتها وعما استؤمنت عليه , لأن الأم هي التي تستطيع
بفضل الله أن تخرج لنا الأجيال الصالحة التي تحقق الغاية المنشودة .ولا شك أن الأولاد وديعة في يد الأم و هي مسؤولة عن تربيتهم على هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم .
وبالتأكيد أن الأم و الأب كلاهما مسؤولان عن تربية الأبناء لكن هنا وعبر هذا المنتدى أخاطب الأم لأنها تقضي مجمل وقتها في تربية الأبناء و الإعتناء بهم وقد تفقد صبرها في بعض المواقف و الظروف و لا أخفي عليكن فأنا من الأمهات اللاتي تفقد صبرها في بعض الأوقات .
قرأت عدة مواضيع عن الصبر و وجدت فيها الفائدة بإذن الله و أحببت أن أنقلها لكم في موضوع واحد وبناء على ذلك فإن هذا الموضوع سيتناول :

فضل الصبر و ثوابه
الأسباب المعينة على الصبر
الآفات المعيقة للصبر
تعليم و تدريب الأطفال على الصبر

فضل الصبر و ثوابه :
1- أن الله يضاعف أجر الصابرين على غيرهم .ويوفيهم أجرهم بغير حساب، فكل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر، قال تعالى: (( إنَمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجّرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ )) الزمر 10
2 - وأن الصابرين في معية الله، فهو معهم بهدايته ونصره وفتحه، قال تعالى: (( إنّ الله مَعَ الصّابِرينَ )) البقرة 153.
3 - وأخبر سبحانه عن محبته لأهل الصبر فقال : (( وَاللّهُ يُحِبُ الصّابِرِينَ )) آل عمران 146 وفي هذا أعظم ترغيب للراغبين.
4 - وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكداً ذلك باليمين فقال سبحانه: (( وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَابِريِنَ )) النحل 126.
5 - وجمع الله للصابرين أموراً ثلاثة لم يجمعها لغيرهم وهي: الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، قال تعالى: (( وَبَشّرِ الصّابِرين o الّذِينَ إذَآ أصَابَتتهُم مُصِيَبَةٌ قَالُوا إنّا للهِ وَإنّآ إلَيهِ راجِعُونَ o أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ مِن رّبِهِم وَرَحمَةٌ وَأولئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ )) البقرة 155 -
157
6 - ومنها أيضاً أن الله علق الفلاح في الدنيا والآخرة بالصبر، فقال: (( يآأيُهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلَكُم تُفلِحُونَ )) آل عمران 200 فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور.
و لقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم صنوف الأذى البدني والنفسي والمالي والاجتماعي والدعائي وغيره، وقاوم ذلك كله بالصبر الذي أمره به الله في أكثر من موضع في القرآن ولذلك ينبغي لكل أم أن تعتني بالصبر و تجعله سلاحاً لها ودرعاً في مواجهة الضغوط من أولادها اقتداء بالمصطفى عليه الصلاة والسلام القائل : { ومن يتصبر يصبره الله } فلا بد أن نصبر ونتذكر أهمية وفضل الصبر وأجر الصابرين لنفوز في الدنيا والآخرة .



الأسباب المعينة على الصبر:
1- الاستعانة بالله: مما يعين المبتلى على الصبر أن يستعين بالله تعالى ويلجأ إلى حماه فيشعر بمعيته سبحانه وأنه في حمايته ورعايته، قال تعالى ((استعينوا بالله واصبروا )) الأعراف 128
2 – العلم بطبيعة الحياة الدنيا: إن من عرف طبيعة الدنيا وما جبلت عليه من الكدر والمشقة والعناء هان عليه ما يبتلى به فيها لأنه وقع في أمر هو مؤمن به
3 – علمك بأنك وما بيدك ملك لله تعالى ومرجعك إليه : قال تعالى: (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ )) النحل 53 ، وقد علمنا في كتاب ربنا أن نقول عند حلول المصائب: ((إنا لله وإنا إليه راجعون))
4 - اليقين بحسن الجزاء عند الله تعالى : أن مما يرغب الإنسان في العمل، ويزيده ثباتاً فيه علمه بحسن جزائه  (( نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ O الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )) 58 - 59
5- الثقة بحصول الفرج : قال تعالى: (( فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا ))  الشرح 5 - 6
6 - الاقتداء بأهل الصبر: إن التأمل في سير الصابرين يعطي الإنسان دافعاً على الصبر .


الآفات المعيقة للصبر :
1- الاستعجال: النفس مجبولة بحب العاجل ((خلق الإنسان من عجل)) الأنبياء 37 ، فإذا أبطأ على الإنسان ما يريد نفد صبره وضاق صدره واستعجل قطف الثمرة قبل أوانها فلا هو ظفر بثمرة طيبة ولا هو أتم المسير، ولهذا قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام (( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ )) الأحقاف 35
2 - اليأس : أعظم عوائق الصبر وهو الذي حذر يعقوب أبناءه من الوقوع فيه مع تكرار البحث عن يوسف وأخيه قال تعالى : (( يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون )) يوسف 87


تعليم و تدريب الأطفال على الصبر

يلزم الأم التفهم للخصائص العمرية لأولادها وتوسيع النطاق للثقافة بطبيعة كل مرحلة من مراحل العمر , فإن توفير القسط الكافي من المعرفة يسهل عملية التعامل مع مشاكل الأبناء ويذلل الصعوبات .
فإن الطفل والمراهق والشاب يمرون بسلسلة سريعة من التغيرات الجسدية والنفسية كما أنهم ينفتحون على المجتمع بصورة أكبر مما يتطلب بناء المزيد من العلاقات وممارسة الحرية المنضبطة دون انتهاك حقوق الآخرين أو القيم في المجتمع مع ضرورة الصبر على ذلك .
فينبغي للأم أن تهتم بكل مرحلة على حدة بحسب أهليته فإن كان طفلاً فبالتدريب والترغيب لا الترهيب وإن كان مراهقاً أو شاباً فبالتكليف والترغيب أيضاً فتشعرهم بالمسؤولية الكاملة وأنهم أهلٌ لها وسيسألون عن تصرفاتهم ومن ثم يصبر عليهم بطبيعة مرحلتهم ولا تنتقد بشخصياتهم فيرشدون إلى الفضائل ويحذرون من الرذائل وإنما ينتقد تصرفهم إذا أخطأوا وينصحون ويرشدون للصواب مع الاستعانة بالله والدعاء لهم
(( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ )) .

الصبر فضيلة مكتسبة عند البشر، وينبغي تعليم الأطفال فن الانتظار و على الأم أن تكون قدوة لطفلها لأنّ الصبر سلوك ينتقل من إنسان إلى آخر‏ ، وهذه الخطوات بإذن الله تساعد الأم على تعليم أطفالها الصبر :

* شجعوه على الصبر، وكافئوا طفلكم على أقل قدر من الصبر وهنئوه عندما يثبت أنه صبور أو عندما يقوم بتنفيذ مهمة ما.اشرحوا له مثلاً ماتعنيه كلمة "صبر" إذا شعرتم بأنها غير مألوفة لديه.قولوا لطفلكم مثلاً :"لقد كنت صبور عندما انتظرت حتى انتهي من تنظيف المجلى قبل أن أعطيك كأساً من عصير الفاكهة ، هذا يثبت أنك شاب لطيف".هكذا تستطيعون أن تجعلوا طفلكم يكتشف أنه قادر على تأجيل إشباع رغباته ، حتى وإن كان لايعرف ذلك بعد و فضلاً عن ذلك يؤدي استحسانكم لما يفعله الى زيادة عنفوانه.

* حافظوا على هدوئكم قدر الإمكان ، حتى إذا رفض طفلكم الانتظار او احتج لأنه لايستطيع فرض إرادته  فتذكروا أنه يتعلم درساً ثميناً من دروس الحياة هو فن الصبر ، فعندما يلاحظ طفلكم أنكم تصبرون  يتعلم بسرعة أن الطلب لايحقق الرغبات بالسرعة نفسها التي يحققها إنجاز العمل بنفسه.

* اجعلوه يفهم أنكم لم تستجيبوا له لأنه ألح على مايريد ، فحتى لو تمنع طفلكم عن الانتظار اجعلوه يفهم بشكل واضح أنكم تصعدون في السيارة لأنكم أنهيتم عملكم وأصبحتم مستعدين للانطلاق لا لأنه تذمر طيلة الوقت من أجل الخروج ، قولي له:"انتهيت من غسل الأواني ويمكننا الآن أن نذهب".


* اجعلوا طفلكم يشارك في تحقيق رغباته :  فإذا صرخ طفلكم قائلاً : "أريد ان أذهب ، أريد أن أذهب ، أريد أن أذهب" - لزيارة جدته مثلاً - كرروا على مسمعه الشروط المطلوبة سلفاً قبل أن تلبوا طلبه ، فبذلك تزيدون فرص تنفيذ المهمة التي تنتظرون منه تنفيذها . اذكروا له تلك الشروط بطريقة إيجابية كأن تقولوا له : "عندما تفرغ من ترتيب كتبك على الرف ، سنذهب لزيارة جدتك".

* تجنبوا الرد على رغبات طفلكم بكلمة "لا" قاطعة ، بل اشرحوا له كيفية التصرف للحصول على مايريد (إذا كان ما يريده ممكناً ولاينطوي على أي خطر)، بدلاً من أن تعطوه الانطباع بأنه لن يحصل مطلقاً على مايريد ، قولوا له مثلاً : "عندما تنتهي من غسل يديك ستحصل على تفاحة".صحيح أن ثمة مواقف يكون عليكم فيها أن تقولوا "لا" لطفلكم (عندما يصر على اللعب بأدوات خطره),اقترحوا عليه في هذه الحالة لعبة أخرى تشبع رغباته وتعلم هوفي الوقت نفسه أن يقبل التسويات وأن يبقى مرناً. و إذا انفجر طفلك باكياً وغاضباً في مواجهة كلمة «لا»، واصلي أعمالكِ حتى تنتهي نوبة غضبه ويهدأ.

* كوني محدّدة في وقت الانتظار الذي تطلبينه من طفلك، فلا تجعلي فترة انتظاره مفتوحة. على سبيل المثال، إذا وعدته بقطعة من الحلوى بعد تناول وجبته ، لا تنتظري كثيراً حتى تمنحيها له.
* تجنّبي إثارة حماسة صغيرك لأمر معيّن قبل موعد تحقيقه بفترة طويلة.


تم بحمد الله
أسأل الله أن يرزقنا الصبر و أن يجعل أولادنا من الصالحين


اقرأ المزيد Résuméabuiyad